نطالب السلطات السورية بالتوقف عن حجب المدونات والمواقع الإلكترونية

نطالب السلطات السورية بالتوقف عن حجب المدونات والمواقع الإلكترونية

27 يوليو, 2008

بشأن أفول التجارب الحزبية العربية

ماجد كيالي
بيّنت الأحداث العاصفة التي ألمت بالمنطقة العربية، لا سيما في العقدين الماضيين، واقع غياب السياسة، على صعيدي الفكر والممارسة، وربما موات الحياة السياسية، أيضاً. على صعيد السلطات والمجتمعات، بما هي فعل تواصل وتفاعل وتداول وتوليد.
وإذا تجاوزنا عطالة النظام السياسي الرسمي، للبحث في واقع الأحزاب السياسية فإن الوضع ليس أحسن حالاً، البتة، بواقع تآكل، أو تفسخ، هذه الأحزاب (اليسارية والقومية والوطنية)، كما بواقع، انحسار دور الجماهير، التي تتوسلها تلك الأحزاب، في نشاطها التغييري المفترض.
فالأحزاب العربية هذه، في غالبيتها، تخلو من أي حراك داخلي يجدد شبابها ويعزز مكانتها يفعل دورها، ان بسبب تحوّل القيادة فيها الى سلطة، أو بسبب ارتهانها لوصفة المركزية الديموقراطية، التي هي بدورها وصفة لتكريس عبادة الفرد من الناحية التنظيمية، وسيادة التبلد الذهني من الناحية الفكرية، ووسيلة لحجب الجمود والفشل، في حيز الممارسة السياسية، ما يفسر الاخفاق المريع الذي منيت به هذه الأحزاب، سواء في الحفاظ على مكانتها، أو للقيام بالدور التاريخي الذي زعمته أو توهمت أنها تتمثله، في المجتمعات التي تعمل بها.
المفارقة ان الأحزاب السائدة، على مختلف مشاربها الفكرية، ما زالت مصرّة على القيام بدورها التاريخي على رغم من أن التاريخ تجاوزها، بعد أن انصرفت عنها كادراتها وقواعدها، وحتى جماهيرها، وتكلست بناها، وأثبتت عجزاً متأصلاً عن ممارسة السياسة في الواقع الجديد.
فهذه الأحزاب، وبالرغم من كل صروف الدهر، لا تبدو على درجة من التواضع والاحساس بالمسؤولية الى درجة تجعلها مستعدة لمراجعة أوضاعها وتجديد بناها ووسائل عملها وشعاراتها وأولوياتها، لا بل انها، على عكس ذلك، تحيل أوجه قصورها الى الظروف الموضوعية وتخلف الجماهير وضعف الامكانيات (!)، متجاهلة أنها، هي بالذات، كانت تتجاهل هذه الظروف وتستهين بها، بمبالغاتها بدور العامل الذاتي المفترض، وأنها كانت تزعم تمثيل ارادة الجماهير وطموحاتها، لتغطية روح الوصاية عليها.
وبالنسبة للامكانيات فهذه الأحزاب طالما استهترت بموازين القوى، باعتبارها أن العملية التاريخية مجرد عملية انقلابية، ارادوية، وانعكاس لرغبات السلطة الحزبية، فطرحت مهمات وشعارات بدت دائماً أكبر بكثير من قدراتها وإمكانياتها، فضلاً عن أنها تنسمت طرح القضايا الكبرى، مستهترة بجوهر عملية التغيير، التي هي عملية تراكمية مركبة وتدريجية، تبدأ من القضايا "الصغرى" وصولاً لتحقيق القضايا الكبرى.معلوم ان غالبية تلك الأحزاب والتيارات كانت برزت في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وازدهرت في الستينيات والسبعينيات منه، بفضل حاملها الاجتماعي المتمثل بنخب الفئات الوسطى، التي كانت تتمتع بقسط وافر من التعليم والثقافة والمستوى المادي، الى جانب الطموح في الارتقاء على المستويين السياسي والاجتماعي. وكانت هذه الفئات انتعشت بفضل مشاريع التنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وبفضل ازدهار النشاط الثقافي والفني، في تلك العقود.
لكن التحولات الحاصلة في معظم البلدان العربية منذ ثمانينيات القرن المنصرم، أدت الى انحسار دور الفئات الوسطى، بسبب التحولات الداخلية والتحديات الخارجية، التي أجهضت عمليتي التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وضمنها تغليب مظاهر السلطة على سلطة الدولة، واستشراء ظاهرة الفساد وسوء الادارة وتهميش القانون والأحزاب والمشاركة الشعبية، بالترافق مع انحسار الاهتمام بمجالات التعليم والتطور العلمي، وتنامي العصبيات والانتماءات القبلية والاثنية والطائفية والمذهبية، والانصراف عن أية محاولة للتكامل الاقتصادي العربي. بمعنى ان أفول الأحزاب العربية كان تحصيل حاصل لأفول الفئات الوسطى، ولإجهاض مشروعات التنمية، وضمنها مشروع بناء دولة المواطن أو دولة المؤسسات والقانون.
من جهة أخرى فإن المشروع السياسي التاريخي الذي حملته تلك الأحزاب والتيارات، كان ينتمي الى المشروعات الثورية والايديولوجيات المطلقة والشاملة، والقضايا الكبرى، أي قضايا الوحدة وتحرير فلسطين وبناء الاشتراكية. وفي ذلك، فإن أطروحات أو ادعاءات، هذه الأحزاب، كانت تقطع مع مشاريع عصر النهضة، وكانت تتوخى حرق المراحل، بنقل النخب العربية من الاشتغال بقضايا النهضة والحداثة ومسائل التعليم والتنوير وتحرر المرأة ومستوى المعيشة والصحة وبناء دولة المؤسسات والقانون والتحرر من الاستعمار (وهي قضايا النصف الأول من القرن العشرين)، الى الانشغال بالقضايا الكبرى مباشرة وعن طريق الثورة.لكن هذه الأحزاب، كما هو معروف، لم تنجح لا في إحداث الثورة (بمعنى الكلمة)، ولا في الحفاظ على الأولويات التي طرحها الفكر النهضوي العربي، وإذ بنا نشهد انتكاسة للقضايا والشعارات الكبرى.
فالوحدة العربية، مثلاً، باتت أبعد منالاً بعد أن تحولت اتفاقيات سايكس ـ بيكو من مجرد تجزئة على الورق، الى حدود وحواجز ومتاريس على الأرض، تفصل بين مواطني البلدان العربية من النواحي السياسية، وأيضاً من النواحي الاقتصادية والاجتماعية الثقافية، وحتى في مجالات الهوية، وحتى ان الحلم بمجرد إيجاد نظام تعليم مشترك أو قيام سوق عربية مشتركة بات ترفاً يفوق الاحتمال.
أما الاشتراكية فتحولت الى وصفة للجمود والركود الاقتصادي والى محرد شعارات خالية من المضمون، كما تحول القطاع العام الى مصدر من مصادر الاثراء غير المشروع والفساد وأداة للسيطرة.
وبدوره فإن شعار التحرير، والصراع العربي ـ الاسرائيلي، غدا مصدراً للخلافات العربية، ولتعميق الهيمنة على المجتمع، كما لحجب واقع التدهور الاقتصادي، وتغييب الديموقراطية.وباختصار، فقد بات يمكن القول بأن الأحداث بيّنت إخفاق مقولة الدور التاريخي (الثوري أو الانقلابي) للحزب، وتآكل مفهوم الحزب/ الطليعة الذي يفترض نفسه وكيلاً عن الشعب ووصياً عليه، ونهاية للعقلية الثوروية التي تحرق المراحل.
يستنتج من ذلك أن المجتمع الذي يفتقد للحد اللازم من التطور، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، لا يحتاج للطرق القسرية والفوقية والدعائية للتغيير، لأن النتائج ستكون عكسية وسلبية، وعلى شكل إخفاقات وإحباطات.على ذلك فإن الأحزاب العربية، ومعها الاطارات العاملة في الشأن العام، معنية بمراجعة مسيرتها وأولوياتها، بتلمس المشاكل والقضايا الحقيقية والملموسة التي تؤدي فعلاً الى الحراك والتغيير الاجتماعي، من خلال التأكيد على مشاريع التنمية، التي يمكن أن تحد من مظاهر الفقر والبطالة، ومشاريع الحداثة التي تخلق ثورة في التعليم والمفاهيم والقيم والبنى، ومشاريع المأسسة والديموقراطية، التي تعيد الاعتبار للمواطن ودولة القانون، بحيث يصبح الانتماء والولاء للدولة والوطن والشعب، لا للطائفة أو القبيلة، ولا لذوي النفوذ المالي أو السلطة.
من ذلك ربما يصح القول ان تجربة انخراط المجتمعات العربية في السياسة لم تبدأ بعد، بمعناها الحقيقي، رغم ان التجربة السياسية بدأت قبل قرن تقريباً!

0 التعليقات: